بين مجهر العالِم وفطرة الأعرابي
توضيح بساطة الأدلة الإيمانية بين فطرة الأعرابي ودقة المختبرات الحديثة، وكيف أن جحودها ينبع من الكبر لا من نقص المعرفة.
إنَّ آيات الله في الآفاق وفي الأنفس لم يجعلها سبحانه لغزاً يحتاج حله إلى خوارزميات معقدة، بل جعلها براهين جلية يتساوى في إدراك أصلها الأعرابي البسيط في جوف الصحراء، والعالِم المتعمق في المختبرات الحديثة. فالفطرة التي غرسها الله في القلوب تنطق بأن لكل مصنوع صانعاً، ولكل نظام منظماً؛ فالأعرابي حين سُئل عن الدليل قال بفطرته السليمة: «البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟» 1. وهذا ما أكده قتادة بقوله: «إن في خلق السموات والأرض لعبرى لمن فكر، وإن في هذه النجوم وفي هذا البحر لآيات لمن عقل» 2. فهذا المنطق الفطري هو ذاته المنطق الرياضي الذي يحكم عقول العلماء، إذ لا يمكن للعقل أن يقبل خروج الموجود من العدم، أو نشوء النظام الفائق من الفوضى العمياء.
وإن العجب كل العجب ممن تبحر في علوم الكون وتعمق في دقائق الفيزياء، ثم ينتهي به المطاف إلى القول بالصدفة. إن هذا العالِم يقع بصره على آيات باهرات تكفي لإيمان أمم بأكملها، لكن المشكلة ليست في نقص الدليل، بل في كِبْر النفس وإعراضها. إن جحودهم هذا هو عين التكبر الذي ذكره الله في كتابه: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ﴾[النمل: 14]. وصدق الحسن البصري إذ يقول: «إنَّ القوم لما عموا عن بصر القلوب؛ لم تغنِ عنهم أبصار العيون شيئاً» 3؛ فالحق ظاهر، ولكن القلب المستكبر يضع على نفسه الغشاوة.
لذلك، لا ينبغي للمؤمن أن تذهب نفسه حسرات على هؤلاء الذين اختاروا العمى على البصيرة وهم ينظرون، كما قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ﴾[فاطر: 8]. فالعذاب الذي ينالهم ليس ظلماً، بل هو جزاء وفاق لإعراضهم عما علموا يقيناً؛ فالعالم الذي رأى ملايين الأدلة في مخبره ثم أشرك، هو أشد جرماً ممن لم ير إلا إبلاً تَرعى، لأن الحجة عليه كانت أَنصع. إن الاستكبار عن مقام العبودية هو العلة الحقيقية خلف الإلحاد، فكل ذرة في هذا الوجود هي رسالة من الخالق، فمن قرأها وتجاهل مرسلها فقد استحق بمحض عدل الله نكاله 4.
فالخالق سبحانه جعل في كل شيء له آية تدل على أنه الواحد، وهذه الآيات معروضة للجميع؛ يُبصرها العامي بيقينه، والعالِم بمجهره، والمثقف بتأمله. ومن أعرض بعد كل هذا الوضوح، فقد أقام الحجة على نفسه، وأثبت أن العمى ليس في البصر بل في القلوب التي في الصدور، فكان عدل الله فيهم سارياً، وحكمه فيهم باقياً، فلا أسف على من رأى الحق ثم دفعه استكباراً وعلواً.
الهوامش
-
أخرجه ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند الآية (٢١) من سورة البقرة. ↩
-
تفسير الطبري، (٧/ ٤٥٥)، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...﴾. ↩
-
ابن الجوزي، «صفة الصفوة»، (٢/ ١٦٠)، في بيان حال من أعمى الله بصيرته عن الحق. ↩
-
ابن القيم، «مدارج السالكين»، (١/ ٤٥٤)، في حديثه عن بصيرة المؤمن وآيات الله. ↩
