الصراط المستقيم في صفات الرحمن
بيان لمنهج أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله تعالى كما وردت في الوحيين، مع الرد على شبهات التعطيل والتمثيل، وتوضيح جلاء الحجة القرآنية بلسان عربي مبين.

إن مقام التوحيد يقوم في جوهره على إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه المحفوظ، وما صح عن رسوله ﷺ من غير تحريف للكلم عن مواضعه، ولا تعطيل لمعانيه، ولا تكييف لحقيقته، ولا تمثيل له بخلقه، بل هو إيمان راسخ بأن لله صفات كمال تليق بجلاله، لا تُشابه صفات المخلوقين بحال، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾[الشورى: ١١]. فهذه الآية الكريمة قد حوت مجامع الحق؛ فنفت المماثلة بين الخالق والمخلوق، وأثبتت له صفتي السمع والبصر على وجه التحقيق لا المجاز، وهي القاعدة التي بنى عليها السلف معتقدهم، كما قال الإمام نعيم بن حماد، شيخ البخاري: «من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً» 1.
ومن هنا يتبين أن المشكلة في عدم إثبات هذه الصفات أو صرفها عن ظاهرها تعود إلى ظن بعضهم أن الإثبات يستلزم التشبيه، وهذا وهم باطل؛ فإن الله تعالى حين اختار اللغة العربية لتكون وعاء لوحيه، إنما اختارها لأنها لغة البيان والوضوح، فلا يجوز أن يرد في القرآن ما يلتبس معناه على الخلق في أصل صفات بارئهم. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون هذه الآيات بقلوب مؤمنة وعقول مدركة لمقاصد اللغة، فلم ينقل عن واحد منهم أنه تأول «اليد» بالقدرة أو «الاستواء» بالاستيلاء، بل كانوا يمرونها كما جاءت مع إثبات المعنى، كما هو المشهور عن الإمام مالك في قوله: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» 2.
وإن ما قد يستشكله البعض من أن الإعجاز البلاغي للقرآن لا يدركه إلا المرتاضون بعلوم اللغة، مما قد يوهم أن الحجة لم تقم على العامة، هو قول يدفعه منطق القرآن نفسه؛ فالقرآن حجة عامة بينة، نزل قرآناً عربياً لقوم يعلمون، وهذا الوضوح العام في المعنى وأصول الرسالة هو ما تقوم به الحجة على سائر بني الإنسان. ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾[القمر: ١٧]؟ فلو كان فهم الصفات حكراً على الفلاسفة والمناطقة، لكان في ذلك تضييق لواسع، وتعجيز للخلق عن معرفة معبودهم. إن الإعجاز في دقائقه زيادة بيان وتثبيت، أما أصل المعنى فهو ميسر، فالعربي حين يسمع قوله تعالى: ﴿يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ﴾[الفتح: ١٠] يفهم إثبات الصفة لله على ما يليق به.
ثم إن لزوم منهج السلف هو السلامة بعينها، فقد كان الأوزاعي يقول: «كنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله عز وجل فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته» 3. فهذا النقل يقطع دابر التأويل المتكلف الذي لم يعرفه الرعيل الأول. وإن من أعظم الأدلة على بطلان التعطيل أن النبي ﷺ كان يذكر هذه الصفات للأعراب والبسطاء، فما كان يزيدهم إلا إيماناً، ولو كان لظاهرها معنى كفرِيّ لوجب عليه ﷺ البيان والتنبيه، وهو الذي بعث مبيناً وهادياً.
فالحق الذي لا حيدة عنه هو تلقي صفات المولى سبحانه بالتسليم والإثبات، مع تنزيهه عن مماثلة المخلوقين، فنثبت المعنى الذي دلت عليه اللغة العربية ببيانها الصريح، ونفوض كيفية ذلك إلى من لا تدركه الأبصار، وبذلك ننجو من التعطيل الذي هو جحود، ومن التمثيل الذي هو كفر، ونسير على صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
الهوامش
-
أخرجه الإمام اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٣/٥٣٣)، والحافظ الذهبي في «العلو للعلي الغفار». ↩
-
أثر الإمام مالك أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/٣٢٥)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (رقم ٦٦٤)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص ٤٠٨) بإسناد جيد. ↩
-
أخرجه الإمام البيهقي في «الأسماء والصفات» (ص ٤٠٨)، والذهبي في «العلو» (ص ١٠٢)، وصححه الألباني في «مختصر العلو». ↩