انتقل إلى المحتوى الرئيسي
تاريخ النشر:٤ دقائق للقراءة

مناط التكليف وحجاب الفتاة

تأصيل شرعي لمسؤولية الوالدين في ستر الفتاة عند البلوغ، وكشف الأوهام العاطفية التي تصادم الحقائق الفطرية والأحكام الفقهية.

مناط التكليف وحجاب الفتاة

إنَّ من أخطر المزالق التي تقع فيها بعض الأسر المسلمة اليوم، ظاهرة التساهل في ستر الفتاة التي بلغت مبلغ النساء شرعاً، تحت ذريعة أنها ما زالت صغيرة في أعين والديها. وهذا التصور ينطلق من معيار عاطفي مَحض يصدم الحقائق الشرعية التي لا تجامل أحداً؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ[الأحزاب: ٣٦]. إنَّ هذا التساهل قد يفضي بالأبوين إلى نوع من الدياثة الغافلة؛ حيث يُقرّان بداءة الزينة وفتنة التبرج في أهل بيتهما ممن وجب سترهن، وقد حذر النبي ﷺ من ذلك بقوله: «ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخبث» 1.

إنَّ المعيار في الشريعة ليس بالنظر إلى رؤية الوالدين لفلذة كبدهما، بل بما جعله الله علامة فارقة على انتقال المرء من دائرة الطفولة إلى دائرة التكليف والمحاسبة. فالبلوغ الشرعي للأنثى يترتب عليه وجوب الستر والحجاب، وهو يتحقق بظهور إحدى العلامات المعروفة (الحيض، أو السن، أو الإنبات، أو الاحتلام). ويؤكد هذا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» 2؛ فمتى جرى عليها القلم، وجب عليها ما يجب على النساء. وهنا تعظم مسؤولية الأم خصوصاً، فهي الألصق بابنتها والأعلم بتفاصيل شؤونها، فيجب عليها إخبار الأب والتعاون معه على أمرها بالستر، امتثالاً لقوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا[التحريم: ٦].

ومِن أوهام العصر رمي من يشتهي الفتاة البالغة (التي يُسمونها مراهقة) بأنه مريض نفسي؛ وهذا مصادمة للفطرة التي خلق الله عليها الرجال. فالله جعل في الرجل غريزة تنجذب للأنثى متى ما بدت عليها معالم الأنوثة، بصرف النظر عن عمرها الحسابي. فالمراهقة باصطلاح العصر هي امرأة باصطلاح الشرع والفطرة، وتركها تمشي بين الرجال بلباس يبدي مفاتنها بحجة صغرها هو تعريض لها للسهام المسمومة. يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «وكل حادثة في العالم، فأصلها من النظر» 3، فكيف إذا كان المنظور إليه فتاة برزت معالم أنوثتها؟ إن هذا التفريط خيانة للأمانة، وقد قال ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» 4.

إنَّ الغيرة الإيمانية تقتضي صيانة العرض عن مواطن الريبة، فمن رأى ابنته قد بلغت ثم هو وأمها ينظران إليها تخرج كاسية عارية ويقولان: «هي طفلة»، فقد أماتا نخوة الدين في قلبيهما. وقد كان السلف يحرصون على تربية الصغار على الحشمة قبل البلوغ؛ لقول النبي ﷺ: «مروهم بالصلاة لسبع» 5، ويقاس عليها سائر شعائر الدين لتعتادها النفس. فالحجاب حكم رباني مرتبط ببدء الفتنة وحصول البلوغ، والواجب على الوالدين أن يعلموا أن التعود هو نصف التربية؛ فمن اعتادت التبرج في صغرها صعب عليها الحجاب في كبرها. إن البالغة امرأة كاملة في نظر الشرع، وسترها صيانة للمجتمع، وحفظ لطهارة البيت، وبراءة للذمة أمام من سيسأل كل راع عما استرعاه.

الهوامش

  1. أخرجه أحمد في مسنده (٥٣٧٢)، والنسائي (٢٥٦٢)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٠٥٢).

  2. أخرجه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وصححه الألباني. والمقصود بالحائض هنا: البالغة.

  3. الداء والدواء (ص: ٢٢٢)، الإمام ابن القيم الجوزية.

  4. أخرجه البخاري (٨٩٣)، ومسلم (١٨٢٩).

  5. أخرجه أبو داود (٤٩٥)، وأحمد (٦٦٥٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه الألباني في «إرواء الغليل».