جناية النظم العلمانية على شعائر الملة
تحليل شرعي ونقدي لأثر القوانين الوضعية والنظم العلمانية في تهميش الشعائر الإسلامية في بيئات العمل، التعليم، والمعاملات المالية.

إنَّ المَقصد الأسمى لوجود الإنسان في هذه الدار هو تحقيق العبوديَّة لله تعالى في كل شأن من شؤون حياته، فلا يجوز بحال أن تنفك حركة العبد عن مرضاة خالقه، وإنَّ من أعظم البلاء الذي نزل بالأمة في عصورها المتأخرة تلك النظرة الماديَّة التي جعلت العمل لأجل الرزق غايةً تزاحم الغاية التي خُلق الخَلْق لأجلها. ولقد حذّر النبي ﷺ من طغيان المادة على القلوب فقال: «تَعِسَ عبدُ الدينارِ، وتَعِسَ عبدُ الدرهمِ» 1؛ فإذا استعبد الرزق صاحبه، تساهل الناس في ترك العبادات أو تأخيرها عن مواقيتها التي حدّدها الشارع بحجة الانشغال بالوظائف، وهذا لَعَمْرُ الله ضلال عن صراط أهل السنة والجماعة الذين يوقنون أنَّ الطاعة هي مفتاح كل خير. فالله تعالى يقول: ﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾[النّور: ٣٧]، وقد ذكر ابن عمر رضي الله عنهما أقواماً في السوق فإذا نُودي بالصلاة تركوا كل شيء وقاموا، فقال: «هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ ﴾» 2.
وممَّا زاد هذا الخلل استفحالاً أنَّ الحكومات في كثير من الديار الإسلاميَّة قد نَحَت مَنْحًى غريباً عن هوية الأمة، حين استنسخت نظم العمل وقوانين الإدارة من دول علمانيَّة لا تقيم للشرع وزناً، وغاب عن هؤلاء قول الفاروق عمر رضي الله عنه: «نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله» 3. فجعلوا أوقات الدوام ثابتة جامدة لا تتبدل بتبدل مواقيت الصلاة، وكأنَّ الشمس لا تدور وكأنَّ الشريعة لا وجود لها في تنظيم حياة العباد، ولو كانت هذه النظم مستمدة من مشكاة النبوة لكان وقت العمل مَرِناً يتبع نداء الله، فيكون العمل خادماً للعبادة لا عدواً لها، ولكنَّ التبعية للأنظمة الوضعية جعلت الموظف يعيش في صراع بين واجب الوظيفة وواجب الصلاة، حتَّى صار ترك الصلاة في المكاتب أمراً مألوفاً لا تنكره القوانين ولا تهتم به الإدارات، وهذا من التطبع المذموم الذي أورث الغفلة وقسوة القلوب.
وينطبق هذا التفريط بصورة أشد خطورة على المحاضن التربوية والمدارس، حيث نشأت الأجيال في بيئة تعتبر "زمن الحصة الدراسية" مقدَّساً لا يجوز مسُّه، بينما تهون عندهم مواقيت الصلاة، فتجد غالب المدارس لا تفرد للطلاب وقتاً كافياً لإقامة الصلاة في جماعة، بل قد يمنع المعلّم طالبه من الخروج لأداء الفريضة بحجة الانضباط النظامي، وهذا ترسيخ لعقيدة فصل الدين عن الحياة في نفوس الناشئة، فيشبُّ الطفل وهو يرى أنَّ دراسته ومستقبله المهني أهم من وقوفه بين يدي ربه، وما علم هؤلاء أنَّ تربية النفس على تعظيم شعائر الله هي أساس الفلاح في الدنيا والآخرة، وأنَّ أي علم لا يقود إلى خشية الله والقيام بأمره هو علم لا بركة فيه.
ولم يقتصر هذا الجفاء الشرعي على ذلك فحسب، بل تعدَّاه إلى انتهاك حُرُمات العورات في المرافق الحيويَّة كالمستشفيات، حيث نُفّذت قوانين التوظيف على غير أساس من تقوى الله، فأهملت الحكومات فريضة كفائية عظيمة وهي إعداد الكوادر النسائية لتطبيب النساء والرجال لتطبيب الرجال، فنشأ عن ذلك وضع مأساوي يُضطرُّ فيه الطبيب الذكر للكشف عن المرأة في حالات لا تُسمَّى ضرورة شرعية إلا بسبب هذا التقصير الحكومي المتعمَّد، وما نراه في أقسام الطوارئ من هَتْك لستر المريضات بحجة القانون والسرعة مع وجود الرجال والنساء مختلطين هو جناية على الشريعة والحياء، فإنَّ امتناع بعض الموظفين عن هذه المنكرات يظل مجهوداً فردياً ينبع من تقواهم، بينما الأصل أن يكون القانون نفسه هو الحامي لحدود الله.
ومن صور هذا التغريب التشريعي أيضاً ما نراه في نظام الاختلاط في بيئات العمل وقوانين السفر والابتعاث للمرأة بغير مَحْرَم، حيث نُقلت هندسة المكاتب والإدارات من دول لا تقيم للحجاب ولا لغض البصر وزناً، فصار الاختلاط المريب شرطاً للعمل، وضاقَت السبل بالمرأة العفيفة التي تريد الرزق بعيداً عن مزاحمة الرجال، كما جعلت القوانين سفر المرأة لمسافات بعيدة لأجل التوظف أمراً مشروعاً قانوناً، بينما هو مصادم لقول النبي ﷺ: «لا تُسافر المرأة إلا مع ذي مَحْرَم» 4، فلو كانت الحكومات تبني نظمها على الشريعة، لَهيَّأت للمرأة سبل العمل في بيئة تحفظ لها حياءها، بدل أن تكون عرضة للفتنة لأجل لقمة العيش.
ولا يقل عن ذلك خطورة ما يقع في قوانين البنوك والتعاملات المالية التي تقوم على الربا، حيث يُجبر الموظف على الدخول في هذه المنظومة لقَبض راتبه أو لقضاء مصالحه، فيصير الربا الذي هو من كبائر الذنوب "إجراءً إدارياً" لا مفرَّ منه، وهذا كله نتيجة فرض القوانين العلمانية التي تفصل بين المال وبين الحلال والحرام، فغابت البركة واستُحلَّت المحارم باسم النظام، ونسي هؤلاء أنَّ الله قد جعل التقوى سبيلاً للرزق الرغيد فقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ﴾[الطّلاق: ٢-٣]. فاللهم رُدَّ المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً، واجعل أعمالهم وقوانينهم تبعاً لما جاء به سيّد المرسلين ﷺ.