انتقل إلى المحتوى الرئيسي
تاريخ النشر:

مركزية الإسناد في حسم النزاع

بيانٌ لمركزية الإسناد في حسم النزاع مع الفرق المخالفة، وكشف تهافت الأصول التي تعتمد عليها المذاهب المارقة في توثيق مروياتها.

مركزية الإسناد في حسم النزاع

إنَّ النقاش العلمي الرصين بين المذاهب والأفكار يقتضي وجود أرضية معرفية مشتركة ومعايير نقدية متفق عليها، ولكن المتأمل في حال أهل السنة والجماعة مع غيرهم من الفرق المارقة كالشيعة والإباضية، يجد أنَّ النقاش يغلب عليه الانقطاع في المبادئ قبل الوصول إلى الفروع؛ ومرجع ذلك إلى أنَّ أهل السنة يبنون دينهم على الإسناد الذي هو من الدين، كما قال الإمام عبد الله بن المبارك -رحمه الله-: «الإسنادُ من الدِّين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء» 1، فالدين ليس دعاوى تُلقى، بل هو نقلٌ مصدَّق برواية العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه. وقد أثنى الله على حفظ كتابه، ومن حفظ الكتاب حفظ السنة الشارحة له، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ[الحجر: ٩]، بينما تقوم بقية الفرق على مرويات لا تصمد أمام أدنى قواعد النقد الحديثي، بل هي منقطعة الأصول مجهولة الأسانيد.

ومن هنا يتبين أنه لا يمكن لطالب حق أن يناظر رجلاً يعتمد على دواوين مجهولة النسب أو منقطعة السند ثم يجعله حجة على الدين؛ وخير مثال على ذلك ما نراه عند الإباضية في اعتمادهم على ما يسمى «جامع الربيع بن حبيب»، فهذا الكتاب عند جهابذة الجرح والتعديل ليس له وجود تاريخي معتبر قبل القرن الثالث أو الرابع الهجري، وشخصية الربيع نفسها مجهولة لا ذكر لها في كتب التراجم المعتبرة، فضلاً عن انقطاع سنده وحشو رواياته بالمنكرات. وكذلك الحال عند الشيعة الرافضة الذين بنوا دينهم على دواوين متأخرة كـ «الكافي» للكليني، وهي كتب تفتقر لأصل الإسناد المتصل بمفهومه العلمي، بل تقوم على مرويات الآحاد عن المجاهيل والكذابين، مع طعنهم في حملة الوحي من الصحابة الكرام، فإذا هدموا الجسر (وهم الصحابة) سقط كل ما نقلوا، فبأي حق يُطالب السُّني بمناقشة فروع مذهب لا يملك أصلاً صحيحاً في النقل؟

إنَّ هؤلاء المخالفين من روافض وخوارج، حين عجزوا عن إقامة الحجة من صحيح المنقول، لجأوا إلى تحكيم العقل المنكوس أو التأويل الباطني بعيداً عن سياق الوحي، فهم ينفون صفات الله، أو يقولون بخلق القرآن، بناءً على شبهات فلسفية متهالكة ومرويات موضوعة تصادم أصول الملة. وأهل السنة لا يناقشون هؤلاء فقط في المعنى، بل في آلة التلقي؛ فمن يطعن في ناقل الخبر (الصحابة) أو يعتمد على مسند مجهول لا يُعتدُّ بقوله في دين الله، وقد قال الإمام مالك -رحمه الله-: «إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم» 2. فمتى ما رأيت فرقة تضل في بديهيات شرعية، أو تتمسك بمنكرات عقدية لأجل رواية منحولة، تعلم أنَّ الخلل في أصل المصدر لا في مجرد الفهم.

فأهل السنة منهجهم طردي مستقيم: قال الله، قال رسوله، قال الصحابة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا[النساء: ١١٥]. فسبيل المؤمنين (الصحابة ومن تبعهم) هو الميزان، بينما غيرهم من الفرق خبطوا في ظلمات الانقطاع وعصبيات المذاهب. ومن هنا نقول: إنَّ المنهج الوحيد الذي يملك تاريخاً توثيقياً لكل حرف ينطق به هو منهج أهل السنة، لذلك لا مجال للنقاش مع من يختلقون الأدلة ثم يبحثون لها عن دين. إنَّ الترفع عن مناظرة هؤلاء هو محض العقل، فإذا سقط المصدر سقط ما بعده، والحق أبلج والباطل لجلج، وكما قال النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» 3.

الهوامش

  1. مُقدّمة صحيح مسلم، الإمام مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (١/١٥).

  2. مُقدّمة صحيح مسلم، باب: البيان بأن الإسناد من الدين، (١/١٤). ويُنظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي، دار ابن الجوزي، (١/١٢٩).

  3. صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي...»، حديث رقم (٧٣١١)، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق»، حديث رقم (١٩٢٠).